إن القول الفلسفي لا يتأسس من فراغ، بل ينحو دائماً باتجاه مساءلة الوجود الإنساني في أبعاده المعقدة. وفي هذا السياق، يتأطر النص قيد التحليل والمناقشة ضمن مجزوءة (مثلا : الوضع البشري)، وتحديداً ضمن مفهوم (الشخص مثلا). إذ يطرح النص قضية شائكة تتعلق بـ (مثلا هوية الشخص)، وهي القضية التي تضعنا أمام مفارقة فلسفية مفادها أن الهوية قد تتأسس على عنصر جوهري ثابت، وفي المقابل قد تبدو خاضعة لصيرورة الزمن وتعدد الروافد النفسية. هذا التقابل يدفعنا إلى صياغة الإشكاليات التالي: ما الشخص؟ وما الهوية؟ وهل تستمد الهوية وحدتها من عنصر ثابت كالعقل أم أنها بناء متجدد بتجدد الذاكرة والوعي؟
كجواب صريح عن الإشكال المطروح، يتبنى صاحب النص أطروحة مركزية مفادها أن (تكتب أطروحة النص بأسلوبك الفلسفي). ولتنزيل هذا الموقف نظرياً، استند صاحب النص إلى بنية مفاهيمية متماسكة، يتصدرها مفهوم (الشخص) باعتباره ذاتا واعية ومريدة، ومفهوم (الهوية) التي تعني تطابق الذات مع نفسها. وتتجلى العلاقة بينهما في كون الهوية هي الجوهر الثابت الذي يمنح الشخص وحدته عبر الزمن. ومن أجل إضفاء صبغة الإقناع على أطروحته، اعتمد صاحب النص بناءً حجاجياً محكماً؛ بدأ بـ (أسلوب العرض) ليطرح فكرته، ثم انتقل لـ (أسلوب النفي) ليدحض المواقف المعارضة، وصولاً إلى (أسلوب الاستشهاد أو المثال)الذي وظفه ليقرب الفكرة من الأذهان، مما جعل من أطروحته بناءً منطقياً يصعب تفنيده.
تستمد أطروحة النص قوتها الفلسفية من كونها أعادت الاعتبار لـ (قيمة الأطروحة، مثلاً: دور العقل في بناء الذات)، وهي بذلك تفتح أفقاً نقدياً يتجاوز التصورات السطحية. لكن، ألا يمكن القول إن الركون إلى هذا التصور الأحادي قد يحجب عنا جوانب أخرى لا تقل أهمية؟ فالهوية ليست مجرد معطى مجرد، بل هي تفاعل مع الواقع. وفي هذا الإطار، يمكن استحضار موقف الفيلسوف (ديكارت مثلاً) الذي يؤكد على أن الفكر هو محدد الهوية، وفي المقابل يرى (جون لوك) أن الشعور المقترن بالذاكرة هو الذي يصنع وحدة الشخص. هذا التعدد في الرؤى يبرز أن قضية الهوية ليست حقيقة مطلقة، بل هي ورش فلسفي مفتوح.
تأسيساً على ما سبق، نخلص إلى أن إشكالية هوية الشخص تظل من أعقد القضايا في الفكر الفلسفي، نظراً لتعدد زوايا النظر إليها بين ما هو عقلي، شعوري، أو حتى جسدي. وفي اعتقادي المتواضع، فإن هوية الشخص هي وحدة مركبة تجمع بين الثبات والتغير في آن واحد. وإذا كانت الهوية هي ما يجعل الشخص مطابقاً لذاته، فإن هذا يجرنا بالضرورة إلى التساؤل عن القيمة الأخلاقية لهذا الشخص؛ فإذا كان الشخص يتمتع بهوية تميزه، فمن أين يستمد قيمته؟ وهل هو مجرد وسيلة أم غاية في ذاته؟


إرسال تعليق