U3F1ZWV6ZTEyMzQ0NzU2Nzk1NjMyX0ZyZWU3Nzg4MTQwMDQ4MjU1

فعل النشأة - عوامل نشأة الفلسفة - دروس جدع مشترك







           فعل النشأة  


مجزوءة الفلسفة 

دروس جدع مشترك 


《 إذا كانت المدينة تعد على الدوام تربة صالحة لتفتح وبزوغ عقلية جديدة، فإنها اكتسبت في اليونان دلالة خاصة، باعتبار ارتباطها بمؤسسة المدينة - الدولة polis . فمع أن المدينة اليونانية cité كانت متميزة عن البادية، فإنها لم تكن متعارضة معها وذلك لأن الحاضرة اليونانية كانت تشمل المجال القروي والتجمع الحضري معا، دون إقامة فورارق بينهما على المستوى السياسي الصرف، فللقرويين والحضريين الحقوق نفسها، والأعباء نفسها، ويجتمعون تحت قبة البرلمان نفسه، ويحتكمون إلى المحاكم نفسها، وينتخبون النواب نفسهم ...

لقد منحت الحاضرة ( المدينة/ الدولة ) اليونانية للأرض، أو بالأحرى للجماعة البشرية التي تقطنها، مركزا ووحدة وحياة مشتركة ... لقد تم تصور المدينة في اليونان إذن بوصفها مركزا يضفي على الفضاء الإجتماعي للإغريق انسجاما وتناغما . 》


من كتاب منار الفلسفة ص 16 


هناك مجموعة من الشروط 

والعوامل، التي أدت إلى نشأة الفلسفة، في بلاد اليونان، ونذكر منها على الخصوص، طبيعة المدينة اليونانية؛ التي كانت لها مكانة ودلالة خاصة لدى اليونانيين، لقد شكلت المدينة اليونانية الحاضنة لبزوغ الفلسفة، فضاءا نابضا بالحياة والمعرفة، كما ساهمت في ارتقاء العقل الإنساني . 


في ساحة أجورا العمومية، القلب النابض لمدينة أثينا، كان يتم عقد مجموعة من اللقاءات بين المواطنين، الذين  استطاعو استثمار هذه اللقاءات؛ لأجل الحوار والنقاش في مختلف الأمور والقضايا؛ التي تتعلق بتفاصيل حياتهم اليومية،  لقد كان من ثمار النقاش الفكري والفلسفي بين المواطنين، داخل ساحة اجورا، دور هام في انتشار المعرفة والثقافة بين معظم المواطنين، الشيء الذي ساهم بشكل كبير في إشاعة قيم الديمقراطية .  ومن خلال هذه اللحظة المهمة في تاريخ الفكر اليوناني،تحررت السلطة والمعرفة، من ملكية بعض الأسر والعائلات الخاصة، لتصبح ملكية، ومشترك جماعي .


انفتاح مدينة أثينا  على الدول المجاورة، شكَّل حركيةً  ونشاطاً  فكرياً وفلسفياً مهما؛ بحكم الموقع الجغرافي، والنشاط التجاري الذي كانت تزخر به هذه المدينة .

تشبع الإنسان اليوناني، والأثيني بشكل خاص؛ بقيم الديمقراطية والحرية، جعله يستشعر قيمة الحرية، ويدرك معنى وجوده في هذه الحياة، لقد أدرك الإنسان اليوناني بهذه الحرية، فاعليته في الحياة، وقيمته كذات مستقلة .


الإنفتاح على ثقافات المدن والدول الأخرى، التي لها سبق في العلم والحضارة، يساهم في تطور المدن ورقيها؛ فالتبادل التجاري يخلق نشاطا فكريا وفلسفيا بين الأفراد، ويساهم في تلاقح الأفكار، وتبادل الخبرات . عندما يكون للإنسان حرية في ماله، وتجارته، وأفكاره، يستطيع حينها التعبير عن أفكاره بكل حرية؛ لأنه ليست هناك أي موانع أو عوائق، يمكن أن تحول بينه وبين التفكير والإبداع ، ومدام الحال كذلك،  فالإنسان الأثيني استطاع أن  يتبوء مكانة عالية، واستطاع أن يساهم بأفكاره في انتشار الفلسفة . 


هناك عوامل أخرى ساهمت في نشأة الفلسفة وانتشارها،نذكر منها :


 على المستوى الإقتصادي : 

علاقة الإغريف بالبحر، ساهمت في ازدهار الملاحة، والتجارة، والصناعة، مما ساهم في تعدد الوظائف، وتقسيم العمل،الشيء الذي فتح الباب لمجموعة من المبادرات الحرة .

 

 على المستوى الاجتماعي:

من خلال عمل الإنسان، ودوره في الحياة، يستطيع أن يصنع لنفسه مكانة اجتماعية، بها تتحدد مكانته الإجتماعية، وبها ينقسم الناس إلى طبقتين اجتماعيتين  عبيد / واحرار  .


 على المستوى السياسي:


تشبع المدينة اليونانية بقيم الديمقراطية، جعلها تتجاوز كل التصنيفات والإقصاءات بين البشر؛ بحيث أضحى الجميع أمامها سواسية،  ويتمتعون بنفس الحقوق، كما عليهم نفس الواجبات،  ليس هناك أي فرق بين الإنسان الحضري، والإنسان القروي، فكلاهما تجمعهما نفس قبة البرلمان، وكلاهما يخضعان لنفس الحكم .

 

على المستوى الثقافي :


تعلم القراءة والكتابة، ساهم في انتشار الثقافة والفكر . حيث كانت مقتصرة في السابق على بعض العائلات والأدباء . الآن بعدما تمكن الإنسان اليوناني، من تعلم القراءة والكتابة، أصبحت الثقافة أمر مشاع وليست حكرا لأحد، على أحد . فالكل أصبح بإمكانه أن يعبر عن أفكاره، وإبداعاته بكل حرية . 


  على المستوى الفكري:

بعد استفادة الإنسان اليوناني من الثقافة؛ التي أتاحتها له الديمقراطية السياسية، استطاع في الأخير أن يعمل على تشكيل أفكاره، وأن يخلق لنفسه استقلالية فكرية، بها يعبر، ويناقش، ويجادل بكل حرية؛  فالحقيقة لم تعد حكرا على  أفراد معينين، وليس بإمكان أي أحد أن يدعي امتلاكها، فكل فكرة أو قضية؛ فهي قابلة للنقد والمناظرة، وكل فكرة أو قضية؛ فهي خاطئة، ما لم يستطع الإنسان أن  يستدل عليها بالبرهان، والحجاج المنطقي .





تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة