الأوهام المحدقة بالعقل البشري
تنقسم أوهام العقل البشري إلى نوعين، نوع مشترك بين جميع النَّاس، ونوع فردي خاص، بحيث أن لكل شخص منا، شخصيته الفريدة والمستقلة، وهذه الأوهام، سواءا العامة أو الفردية، هي المسؤولة عن وقوع الإنسان في الخطأ والوَهم، وعن ابتعاده عن التفكير المنطقي الصحيح.
بحيث يعتقد بيكون بأن العقل البشري، عقلٌ مُعرض للوقوع في مجموعة من الأوهام والضلالات، هذه الأوهام في نظره كالأصنام، التي يجب أن نحطمها، ونتخلَّص منها، وذلك لكي نتحرر من سيطرتها على عقولنا، وعلى تقدمنا الفكري والعلمي، فلا يمكن بأي حال من الأحوال، أن نخطو خطوة واحدة إلى الأمام، مادامت هذه الأوهام مسيطرة على عقولنا، فهي أوهام تعترض التفكير المنطقي، وتحول بينه وبين التفكير العلمي الصحيح، قناعاتنا، أفكارنا، معارفنا، تؤثر عليها بشكل كبير هذه الأوهام الأربعة، بل تؤثر أيضا على سلامة العقل، وتصيبه بالجمود والتَّحجر .
أولا : أوهَام القبيلة .
العقل ليس في غالب الأحيان محايد، بل في مرات كثيرة يكون منحازا ومتأثرا بطبيعته، فالطبيعة الإنسانية طبيعة قاصرة، ويغلب عليها النقص، وهذا النقص الكامن في الطبيعة الإنسانية، يؤثر بشكل كبير على طريقة الإنسان في التفكير.
أوهام القبيلة هي أوهام مشتركة بين جميع البشر؛ لأنها مرتبطة بالغريزة، وبأشياء خُلق عليها الجنس البشري، فنحن وُجدنا في هذا العالم، ونحن مركبين من النقص والضعف، وكمثال على هذا القصور ، يمكن أن نستعرض فقط حواسنا، إنها حواس ضعيفة ومحدودة، وعليه لا يمكن أن تكون هذه الحواس مقياس ، للتعرف على أشياء العالم والإحاطة بها .
العين محدودة الرؤية والإبصار، فهي لايمكن أن ترصد كل الأشياء الموجودة في الطبيعة، هناك أشياء وأجسام دقيقة في الطبيعة، لا يمكن أن تُرى بالعين المجردة، والأذن أيضا كذلك، فهي لايمكن أن تلتقط جميع الأصوات، هناك أصوات يصْعبُ سماعها .
ومن ضعف الإنسان وقصوره الفكري، أنه شخص مُعمم، إنه يلجأ إلى التعميم، للتغطية عن فشله وإحفاقاته، إنه يحكم على تجربة واحدة، دون أن يختبر باقي التجارب الأخرى.
هذه الأمثلة وغيرها الكثير، تُوضح بأن العقل البشري، عقل متأثر بطبيعته القاصرة، وبأنه يعيش أوهام قبيلته البشرية،بدون أن يعيَ بذلك، أو أن يشعر .
ثانيا : أوهام الكهف .
لكل شخص منا طريقة، وأسلوب خاص في التغكير، وذلك لأن لكل واحد منا، تجارب وخبرات خاصة، الدين، والثقافة، والمعتقدات ... كلها أشياء، تؤثر على طريقة الإنسان في التفكير، وعلى طريقة تناوله للمساءل والقضايا، هذه التجارب والخبرات التي يكتسبها الإنسان طِوال حياته، هي من تطبع شخصيته، وهي من تصنع نمط تفكيره، ولكن قد يحدث أن يتلقى الإنسان في حياته بعض المعارف، التي تكون مختلطة بالوهم والخطأ، مما يدفعه للإعتقاد بها، بدون أن يفكر ولو لمرة واحدة، في مراجعتها ونقدها، وكأن الإنسان باعتقاده بها، يعيش في كهف مظلم،رافض لأي نور يأتيه من الخارج، وهذا وهم من أوهام العقل، الذي قد يشوش على الإنسان إدراك الحقيقة، ويجعله معتقدا بأشياء لا يقينة لها .
ثالثا : أوهام السوق .
لقد استوحى بيكون هذا الوهم، من خلال علاقات الناس وتبادلهم التجاري، ليؤكد بأن اللغة مثل التجارة؛ لأنها مبنية على التبادل، والتواصل الفكري، باللغة يتبادلو الناس أفكارهم، وبها ينسجون علاقاتهم الإجتماعية، اللغة قد تتحول من مجرد وسيلة تواصل إلى وهم، يؤثر على العقل، ويسلبه نوره، هناك كلمات وألفاظ في اللغة، لاوجود لها على أرض الواقع، أشباح، لعنة ... كلها ألفاظ مبهمة وغامضة.
اللغة مرتبطة بالفكر، ولايمكن أن يكون للغة وجود بدون أفكار، الأفكار في حد ذاتها لغة صامتة، وبالتالي يستحيل أن نفصل بين اللغة والفكر.
ومدام أن اللغة مرتبطة بالفكر، فلاشك بأن ألفاظ اللغة وكلماتِها، ستؤثر على طريقة الإنسان في التفكير، وعن نظرته للأشياء.
الإنسان مطالب بأن يكون دقيقا في كلامه، وملزم بأن يتخلص من كل الكلمات والألفاظ المبهمة، إذ يجب عليه أن يسمي الأشياء بمسمياتها العلمية والواضحة، حتى لا يبقى للكلمات والألفاظ الغامضة، أي وجود في حياته .
إذا كانت ألفاظ اللغة وكلماتها خاطئة، فسوف تنتج لك فكرا خاطئا يتحكم في عقلك، وفي طريقة تفكيرك، وسوف تصبح هذه الألفاظ والكلمات الخاطئة، هي المعيار الذي يحتكم إليه عقلك، في الحكم على الأشياء.
رابعا : أوهام المسرح .
مصدر هذه الأوهام يرجع إلى السلطة المعنوية للشخصيات المشهورة، وتتمثل هذه الأوهام حينما يعتقد الإنسان بشيء ما، فقط لأن قائله فلان، أو فلانة .
هذا رأي صحيح؛ لأن قائله فيلسوف عظيم، وهذا كلام صحيح؛ لأن قائله هو بطلي المحبوب، في اعتقاد بيكون أن التصديق بكلام الآخرين والأخذ به، هو عين الوهم، لماذا ؟ لأنه يُعمي الإنسان عن الحقيقة، ويجعله يسلم عقله لغيره، كل شيء في الحياة قابل للمراجعة والنقد، ولا وجود لأي كلام صحيح، مدام عقلي لم يقبله، لا يهمني من قال بهذا الكلام، فكل فكرة قابلة للنقاش، مهما كانت قيمة، ومكانة الشخص الذي قال بها عندي .
هذه في نظر بيكون هي أوهام وأصنام العقل الأربعة، التي تمثل عائق أمام حسن سير العقل وسلامته، وهي عوائق تؤدي إلى تعطيل الفكر، وتؤدي به أيضا إلى الجهل، والتحرر من هذه الأوهام حسب بيكون، هو أول خطوة لكي نلج إلى مملكة العلم، بدون أي أفكار خرافية، أو أوهام مُضللة .
تحليل نص فرنسيس بيكون.
التعريف بصاحب النص .
فرنسيس بيكون Francis Becon ولد في سنة 1561 وتوفي في سنة 1626، هو فيلسوف إنجليزي، من أبرز مؤلفاته :
- " مقالات " 1597 " .
- " الأورغانون الجديد " 1620 .
- " أطلنطس الجديد "، 1627 .
شرح المفاهيم .
الوَهم : الوهم مشتق من الرغبات الإنسانية الدفينة، فهو ليس مرادف للخطأ، بل هو من صلب هذه الرغبات، وهو اعتقاد يعطي الأولوية لتحقيق الرغبات .
الأورغانون الجديد : هو كتاب شهير، للفيلسوف الإنجليزي فرنسيس بيكون، جاء كنقد لكتاب الأورغانون لأرسطو، تناول هذا الكتاب في فصوله، مراتب الأوهام وضروبها، ابتداءا من الأوهام العامة والمشتركة، انتهاءا إلى الأوهام الفردية والخاصة .
إشكالية النص .
ماهي مراتب الأوهام التي تصيب العقل بالجمود، وكيف يمكن تصنيفها ؟
الأطروحة .
يرى بيكون بأن العقل البشري، محاط بمجموعة من الأوهام والضلالات، التي تجعله لا يقدم صورة حقيقية عن الواقع، وقد اختصر بيكون هذه الأوهام في أربعة أنواع، وهي أوهام القبيلة، أوهام الكهف، أوهام السوق، أوهام المسرح .
خصائص أوهام العقل الأربعة .
1 - أوهام القبيلة :
- مباطنة للطبيعة البشرية، ومشتركة بين جميع الناس.
- مرتبطة بالعقل البشري، الذي يشبه المرايا المشوِّهة لطبيعة الموضوعات .
2 - أوهام الكهف :
- خاصة بكل فرد .
- ناتجة عن قراءات الشخص، وعلاقاته بمن يحترمهم ويعجب بهم .
3 - أوهام السوق :
- خاصة بجماعة بشرية .
- تنشأ عن العلاقة بين الناس وعن تواصلهم اللغوي .
- ناتجة عن تواصل الناس، وعن تأثرهم باللغة، باعتبارها منشإ للأوهام.
4 - أوهام المسرح :
- تتعلق بالمعتقدات والمذاهب الفلسفية الخاصة .
- ناتجة عن التداول السيء لألفاظ اللغة، التي يساءُ توظيفها .
الأساليب الحجاجية .
قام صاحب النص بتوظيف مجموعة من الأساليب الحجاجية لتوضيح أفكاره، وبيان مصداقيتها . ومن بين هذه الأساليب نذكر :
أولا : أسلوب الجرد والإحصاء .
يتمثل ذلك من خلال تصنيف صاحب النص لأوهام العقل إلى أربعة أنواع .
ثانيا : أسلوب الإستعارة .
لقد قام صاحب النص بتشبيه الأوهام العامة والمشتركة، بأوهام القبيلة، لأنها مرتبطة بجميع الناس .
وشبه الأوهام الذاتية الفردية، بأوهام الكهف، لأن داخل كل انسان منا عالمه الخاص والغامض.
كما شبه أوهام الجماعة بأوهام السوق، لأنها تنشأ عن تواصل الناس وتبادلهم اللغوي.....
ثالثا : أسلوب التشبيه .
وتدل عليه الأمثلة، والتوظيفات اللغوية التالية :
" العقل يشبه المرايا المتراتبة … "
" المذاهب الفلسفية التي تلقيناها أوتخيلناها هي مثل كثير من المسرحيات التي شاهدناها …"


إرسال تعليق